عبد الملك الجويني
97
نهاية المطلب في دراية المذهب
فيما نقله الصيدلاني : " يجب القصاص على الذمي الجارح " ولا شك أن هذه المسألة تناظر طريان الردة ؛ فإن انتقاض العهد مُهْدِر كالردة ، فقد وجد في المسألتين في الطريقين شرطُ التزام القود ، وتوسط فيهما جميعاً مُهدر . وقد اختلف أصحابنا فمنهم من قال : في المسألتين جميعاً قولان في وجوب القصاص : أحدهما - أنه يجب ؛ نظراً إلى حالتي الجرح والموت . والثاني - وهو الأقيس أنه لا يجب ؛ فإن المهدِر قد تخلل ، والجراحة سارية ، والقصاص يسقط بالشبهة ، فيبعد والحالة هذه إيجابُ القصاص . ومن أصحابنا من قال : نُنزل النصين في المسألتين على حالين ، فحيث قال في مسألة الردة : لا يجب القصاص ، صوّر فيه إذا طال الزمان والجراحة سارية ، فنعلم أن للسراية الواقعة [ في الردة ] ( 1 ) وَقْعاً في الإهلاك ، فعند ذلك لا نوجب القصاص . وحيث أوجب القصاصَ فُهم [ منه ] ( 2 ) إذا طري المُهْدِر وزال في زمانٍ خفيف ، لا يظهر في مثله للسراية وقعٌ محسوس ، فلا يمتنع القضاء بوجوب القصاص ، والحالةُ هذه ؛ إذ لا أثر للسراية المقترنة بالمُهدِر في الحالة اللطيفة ، وقد نفرض إقبال الجراحة على الاندمال في حالة [ اعتراض ] ( 3 ) المهدِر ، ثم نفرض انتقاضها عند العَوْد إلى الإسلام ، والغرض ألا يكون للسراية موقع محسوس من الهلاك . والرأي عند [ المحققين ] ( 4 ) في ذلك أن السراية إذا كانت محسوسة ، وقد تمادى زمان المهدِر ، فيجب القطع بانتفاء القصاص . وإن قصر الزمان بحيث لا يظهر للسراية فيه أثر ، ففي القصاص قولان . ويتبيّن مما انتهى التصوير إليه أن ما ذكرناه في تخلل المهدِر بين إرسال السهم والإصابة من الاحتمال ، فهو متجه ، بل هو بالاتجاه أولى ؛ من حيث إن الجراحة لم تكن واقعةً بعدُ .
--> ( 1 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 2 ) في الأصل : " فيه " . ( 3 ) في الأصل : " الاعتراض " . ( 4 ) في الأصل : " المخلصين " والمثبت تقدير منا ، نرجو أن يكون هو الصواب .